الأحكام
الفقهية المتعلقة بالمرضى (1)
الطهارة
والصلاة
مقدمة:
الأساس في التشريع الإسلامي هو التيسير، فقد قال تعالى:
"وما جعل عليكم في الدين من حرج".(الحج : 78 )
وقال تعالى: " يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم
العسر".( البقره : 185 )
وقال رسول الله –صلى الله عليه وسلم-: "...وإذا
أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم".
والفتوى في الرخص تكون بأسهل الأحكام، وقد قال الفقهاء:
"يُفتى بما هو أسهل في المعاملات والحج". وذلك لأن المعاملات حاجة يومية
ضرورية والحج وقت شدة وزحام.
المرض في اصطلاح الفقهاء: هو انحراف الصحة عن حد الاعتدال لعاهة. بخلاف التعب
الناتج عن العمل وغيره.
ويُقسم الفقهاء المرض إلى نوعين:
1-
مرض مطلق: وهو ما سبق تعريفه من انحراف الصحة.
2-
مرض الموت: وهي العلة التي يقرر الأطباء أنها علة
مميتة ولو لم تلزم المريض بالبقاء في الفراش. ولها أحكام تتعلق بالوراثة وموت
الدماغ وما يترتب عليه وغير ذلك.
الرخص
التي أُنيطت بالمرض:
أولا: الطهارة: وتشمل الوضوء والغسل.
ثانيا: الصلاة.
أنواع
المرض الذي تناط به الرخص:
ثلاثة أنواع:
1-
أن يكون المرض شديدا بحيث يخاف الموت من استعمال الماء
لبرد أو للعلة التي به أو يخاف تلف عضو أو فوات منفعته أو الخوف من حدوث مرض يخاف
منه تلف النفس، هذا يجوز له التيمم استدلالا بقوله تعالى: " وإن كنتم مرضى أو
على سفر أو جاء أحد منكم من الغائط أو لامستم النساء فلم تجدوا ماءا فتيمموا صعيدا
طيبا" الآية..( النساء : 43 )
وهو مذهب الأئمة الأربعة ومذهب الجمهور.
2-
أن يكون المرض يسيرا إلا أنه يخاف معه حدوث علة أو زيادتها
أو بطء برء.
فيه اختلاف بين العلماء على مذهبين:
الأول: أنه يُباح له التيمم وهو مذهب الجمهور: بدليل أن
الرخصة بالتيمم للمرضى مطلقا ودليل حديث صاحب
الشجه وهو: عن الأوزاعي عن عطاء " قال الأوزاعي بلغني عن عطاء بن رباح
أنه سمع ابن عباس يخبر أن رجلا أصابه جرح في عهد النبي صلى الله عليه وسلم ثم
أصابه احتلام فأُمر بالاغتسال فأغتسل فكز فمات فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه
وسلم فقال: قتلوه قتلهم الله ألم يكن شفاء العي السؤال.
الثاني: لا يباح له التيمم إلا عند خوف التلف ووجه الاستدلال:
أن العجز عن استعمال الماء شرط لجواز التيمم ولا يتحقق العجز إلا
عند خوف الهلاك.
وقد قرر ابن قدامة في المعنى مذهب الجمهور وبين أنه هو الصحيح.
3-
أن يكون المرض يسيرا لا يخاف من استعمال الماء معه تلفا
ولا مرضا مخوفا ولا إبطاء برء ولا زيادة ألم كصداع ووجع ضرس وحمى وغيرها فهذا لا
يجوز له التيمم مع وجود الماء.
الخلاصـــة:
جواز
التيمم لكل من خاف ضررا من استعمال الماء سواء خاف الهلاك أو تلف عضو أو زيادة
المرض أو ابطاء برئه كما أن المرض الذي لا يخاف من استعمال الماء معه أي ضرر لا
يجوز التيمم له.
عجز
المريض عن استعمال الماء:
وإذا
عجز المريض عن الوضوء أو الغسل فقد يكون العجز كليا أو جزئيا.
فالعجز
الجزئي :ـ مثل جرح في أعضاء الطهارة فله مراتب:
المرتبة الأولى: أن يكون مكشوفا ولا يضره الغسل، ففي هذه المرتبة يجب
عليه غسله إذا كان في محل يغسل.
المرتبة الثانية: أن يكون مكشوفا ويضره الغسل دون المسح، ففي هذه
المرتبة يجب عليه المسح دون الغسل.
المرتبة الثالثة: أن يكون مكشوفا ويضره الغسل والمسح، فهنا يتيمم له.
المرتبة الرابعة: أن يكون مستورا بلزقة أو شبهها محتاج إليها، وفي هذه
المرتبة يمسح على هذا الساتر، ويغنيه عن غسل العضو ولا يتيمم.
والرباط يُمسح عليه مدة وجوده ولو طالت، وإذا كان عليه دم فإنه يُعفى عن هذه النجاسة، ولكن إذا
فك الرباط فإنه لا يعاد بل يبدل بجديد طاهر.
والفقهاء متفقون على أن المسح على الجبيرة غير مؤقت
بالأيام بل يُمسح عليها حتى يبرأ الجرح.
والجبيرة والرباط لا يُشترط فيهما أن تلبس على طهارة مثل
الخفين.
أما العجز
الكلي:ـ أن لا يستطيع المريض استعمال الماء لأمر الطبيب أو العجز الجسدي
فهنا يلجأ المريض إلى التيمم.
هل يُجمع بين المسح والغُسل والتيمم؟
ولا يُجمع بين المسح والغسل والتيمم إذ لم يرد بذلك دليل من الكتاب والسنة الصحيحة – فالمريض
الذي يجد الماء ويخاف من استعماله ضررا أُبيح له التيمم، والمجروح أو المكسور الذي
يخاف على نفسه باستعمال الماء فله التيمم فقط بنص الكتاب والسنة وأما من استطاع
غسل بعض أعضائه وفي بعضها جبيرة ويتضرر بنزعها فهذا يمسح على جبيرته فقط.
هل التيمم رافع للحدث؟ فهنا يجوز للمريض أن يصلي ويقرأ القرآن .. أم هو مُبيح
للصلاة: فهنا على المريض التيمم لكل صلاة، وإذا تيمم للفرض فإنه يجب أن يتيمم
للنفل كذلك وللقراءة كذلك.
ذهب الحنفية إلى أنه رافع للحدث، وهذا هو الذي يؤخذ به
ليسره.
وذهب الشافعية والمالكية إلى أنه مُبيح للصلاة.
من الذي يقرر نوع المرض ومن ثم جواز الرخصة؟
أجمع
الفقهاء أن الذي يتخذ قرار الرخصة هو الطبيب المسلم العادل. والمقصود بالعادل أي
التقي الذي يخاف الله.
أما الطبيب غير المسلم فيؤخذ بخبرته في
العلاج وليس في الترخيص.
كما يجوز للمريض أن يعتمد على معرفة نفسه
واجتهاده في كون المرض الذي أصابه عذرا مبيحا للتيمم.
·
استمرار الحدث: مثل الاستحاضة أو السلس أو الفتحة
الجراحية في الجنب لخروج البراز وهنا يجب على المريض الوضوء لكل
صلاة، أما المستحاضة فذهب بعض أهل العلم أنها تتوضأ لكل صلاة، ومنهم من قال
أنها تغتسل لكل صلاة، وقال غيرهم أنها تتوضأ لكل صلاتين أي تجمع الصلاة.
·
والأرجح والله أعلم أن طهارة المستحاضة – الوضوء لكل
صلاة ولا يجب عليها الغسل إلا مرة عندما ترى أن حيضها قد انقطع ثم تتوضأ لكل صلاة.
·
زوال العقل (بالسكر أو النوم أو الإغماء أو التخدير) موجب
للوضوء.
ثانيا:
الصلاة:
والأمراض
التي تناط بها رخص الصلاة هي:
1-
المرض الذي يزداد شدة إن لم يؤخذ بالرخصة.
2-
المرض الذي يبطئ شفاؤه إن لم يؤخذ بالرخصة.
3-
حصول المشقة والألم إن لم يؤخذ بالرخصة.
4-
فقد العقل: كالإغماء أو الجنون وما شابه ذلك.
كيفية
صلاة المريض:
أجمع أهل العلم على أن من لا يطيق القيام له أن يصلي
جالسا. وقال النبي صلى الله عليه وسلم لعمران بن حصين في حديث البخاري وأبي داود
والنسائي "صلِ قائما فإن لم تستطع فقاعدا فإن لم تستطع فعلى جنبك فإن لم
تستطع فمستلقيا لا يكلف الله نفسا إلا وسعها". فإذا عجز المريض عن القيام
والقعود للصلاة صلى على جنبه مومئا ويستقبل القبلة حسب طاقته أو على ظهره مستلقيا
وإذا لم يطق العبد القيام في الصلاة صلى قاعدا وركع وسجد إذا أطاق الركوع والسجود
فإن لم يطق الركوع والسجود صلى مومئا وجعل السجود اخفض من الركوع.
·
ما هو المرض الذي يصلي به المريض قاعدا؟
إذا خاف المريض مشقة شديدة أو زيادة المرض أو تباطؤ برئه
صلى قاعدا وقيل في ضبط ذلك: إن يلحقه بالقيام مشقة تذهب خشوعه، لأن الخشوع مقصود
في الصلاة.
·
تعتمد الصلاة على قدرة المريض، ولكن إذا أراد أن يصلي
قاعدا، فكيف يقعد؟
ذهب أغلب الفقهاء إلى أنه يتربع، فإذا شق
عليه أدى ما هو أيسر له، وليس له أن يضع مخدة أو شيئا مرتفعا ليسجد عليه بل يمكنه
أن يومئ إيماء بحسب قدرته.
وإذا صلى المريض
واقفا فأحس بدوخة أو تعب فإنه يستطيع الجلوس، وكذلك
إذا بدأ الصلاة وهو قاعد ثم استطاع الوقوف فإنه يقف، وإذا استطاع الوقوف
للركوع فإنه يفعل.
·
إمامه المريض القاعد في الصلاة: ورد أن الرسول صلى الله
عليه وسلم قال: "إنما جعل الإمام ليؤتم به... وإذا جلس فاجلسوا" وورد
أنه في آخر عمره مرض فصلى قاعدا والناس خلفه وقوف.
* لذا فقد ذهب الحنابلة إلى أن المأموم يتبع الإمام
في القعود.
* أما جمهور الفقهاء فقالوا: يقف المأموم، ويكره أن
يصلي المريض إماما إلا إذا كان خليفة أو إماما راتبا (موظف).
·
الجمع بين الصلاتين: إذا كانت الطهارة
تشق على المريض فيرخص له في الجمع بين كل صلاتين. وقد ورد أن الرسول صلى الله عليه
وسلم جمع من غير مرض أو خوف أو مطر.
·
هل يقضي المغمي عليه ما فاته من
الصلوات
المغمى عليه مثل
المجنون في حالة الإغماء لأنه يفقد وعيه.
فإذا قلنا حكمة حكم
المجنون فلا يجب عليه قضاء شيء من الصلوات التي فاتته في فترة إغمائه. لقوله صلى
الله عليه وسلم "رفع القلم عن ثلاثة" ومنهم "المجنون حتى
يفيق".
وفي المسألة خلاف
بين العلماء، وقد ذهب جمهور السلف من الصحابة والتابعين إلى أنه لا يقضي ما فاته
بل يصلى يومه الذي أفاق فيه فقط وقد قال بذلك ابن عمر وعائشة رضي الله عنهم.
وفي إلزام القضاء
على المغمي عليه مشقة وحرج، لأجل ذلك رفع
الإسلام قضاء الصلوات الفائتة عن الحائض والمجنون رحمة وتيسيرا لكونهما معذورين في
تلك الحالة والمغمي عليه مثلهما.
والله
أعلم
المراجع:
o
حيفاء ، ابوبكر اسماعيل: أحكام المريض في الفقه الإسلامي
1404هـ
o
ادريس ، عبدالفتاح محمود: الرخص المتعلقه بالرخص في
الفقه الإسلامي الطبعه الثانيه ، النسر الذهبي للطباعه 1415هـ.
وكتب أصل هذا الموضوع الدكتور محمد رواس قلوجي إستاذ
الدراسات الاسلاميه بجامعة الملك سعود.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق