الأحكام
الفقهية المتعلقة بالمرضى ( 2 )
صيام
رمضان
قال تعالى: ( فمن كان مريضا
أو على سفر فعدة من أيام أُخر ) (
البقره :184 )
ظاهر الآية يقتضي جواز الإفطار
لمن لحقه اسم المرض أو اسم السفر.
حد المرض الذي أباح الله
الإفطار معه:
المرض الذي يصح معه الفطر هو
الذي لا يقدر المريض معه على الصوم أو يقدر عليه بجهد ومشقة من أجل مرضه أو يخاف
على نفسه التلف أو ذهاب عضو أو أنه يزيد
في مرضه أو يخاف تماديه أو تباطؤ برئه.
وخلاصة هذا أن المريض له مع الصوم حالتان:
الأولى :
ألا يطيق الصوم بحال فهذا يجب
عليه الفطر والصيام في حقه مكروه لأنه ليس في طاقته الصيام وقد يكون محرما إذا كان
ذلك يؤدي به إلى التهلكة.
الثانية:
أن يقدر على الصوم بضرر ومشقة فهذا له الفطر ولا يكلف نفسه
بالصوم في هذه الحالة إلا جاهل..قال الله تعالى:(يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم
العسر)الآية(البقره :185)
وقد اختلف الفقهاء في تحديد حد
المرض الذي أباح الله معه الإفطار وأوجب معه عدة من أيام أخر. إلا أنهم أجمعوا على
إباحة الفطر للمريض في الجملة.
قال جمهور من العلماء:
كل مرض يزيد بالصوم أو يخشى تباطؤ برئه أو
تماديه صح الفطر له . وهذا مذهب الأحناف، ويروى عن أبي حنيفة رضي الله عنه أنه
قال: إذا خاف الرجل على نفسه وهو صائم أن تزداد عينه وجعا أو حُمٌّره شدة أفطر. وهو مذهب أصحاب مالك. وأما لفظ
مالك فقد روي أنه هو المرض الذي يشق على المرء ويبلغ به الجهد.
ومذهب الشافعي رحمه الله قريب
من مذهب الإمام مالك في تحديد المرض المبيح للإفطار حيث يرى أن كل مرض كان الأغلب
من أمر صاحبه بالصوم الزيادة في علته زيادة غير محتملة صح الفطر له.
وأما مذهب الحنابلة في تحديد حد
المرض فهو مذهب الجمهور. فالمرض المبيح للفطر هو الشديد الذي يزيد بالصوم أو يخشى
تباطؤ برئه.
وبهذا يتبن أن تفصيلات الفقهاء
وتحديداتهم للمرض الذي أباح الله معه الفطر وأوجب معه عدة أيام أخر تتفق في الجملة
أن رخصة الإفطار للمريض في رمضان موقوفة على خوف زيادة المرض بالصوم أو خوف الضرر،
فإذا لم يخش الضرر فعليه الصوم.
ويدل على أن الرخصة في الإفطار
للمريض متعلقة بخوف الضرر ما رواه أنس بن مالك رضي الله عنه "إن الله وضع عن
المسافر شطر الصلاة وعن الحامل والمرضع الصوم" ومعلوم أن الرخصة للحامل
والمرضع في الإفطار موقوفة على خوف الضرر على أنفسهما أو على ولديهما وإن لم تكونا
مريضتين. والمريض أيضا أُبيح له الإفطار لخوف الضرر فمتى خاف الضرر جاز له الفطر
والله أعلم.
والصحيح الذي يخشى أن يمرض
بالصوم فهو كالمريض.
حكم الشيخ العاجز عن الصوم
والمريض الذي لا يُرجى برؤه:
أجمع الفقهاء على أن للشيخ
الكبير أو المرأة الكبيرة العاجزة الذي لا يقدر على الصيام لكبر سنه الإفطار ولا
قضاء عليه لأنه ليس له حال يصير إليها
يتمكن فيها من القضاء والحقوا بهما المريض الذي لا يُرجى برؤه.
ووقع الخلاف بين العلماء- في
مسألة الفدية وهي الإطعام عن كل يوم يفطرونه- والجمهور على أنه يجب عليهم الفدية
استدلالا بقول الله تعالى (وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين) (البقره : 184) ووجه الدلالة أن ابن عباس رضي الله عنه فسرها
بأنها نزلت رخصة للشيوخ وأنها ليست منسوخة في حق من لا يطيق بالصوم من أمثال هؤلاء
بل هي محكمة في حقهم وحكم الإطعام باق في حكمهم.
والخلاصة أن مذهب
الجمهور إيجاب الفدية على الشيخ الكبير والعجوز والمريض الذي لا يرجى برؤه.
صيام الحامل
والمرضع:
الحامل والمرضع إذا خافتا على
أنفسهما أو على أنفسهما وولديهما معا أفطرتا وقضتا ولا فدية عليهما عند كافة
العلماء لأن الله سبحانه وتعالى قال (فمن كان منكم مريضا أو على سفر فعدة من أيام
أخر). الآية.
وقال في االمغنى: لا نعلم فيه بين
أهل العلم اختلافا، لأنهما بمنزلة المريض الخائف على نفسه. وأما إذا خافتا على
ولديهما فقط فللعلماء في ذلك أربعة أقوال:
الأول:
أنهما تفطران وتطعمان ولا قضاء عليهما تشبيها
بالشيخ الكبير ومن يجهده الصوم.
الثاني:
أنهما تفطران وتقضيان ولا فدية عليهما ووجه هذا
القول أن وجوب الفداء شرطه العجز عن القضاء عجزا لا تُرجى معه القدرة في
جميع عمره. واستدل أصحاب هذا المذهب بما رواه أنس بن مالك "أن النبي صلى الله
عليه وسلم قال: "إن الله وضع عن المسافر شطر الصلاة وعن الحامل والمرضع الصوم
– أو الصيام".
ووجه الاستدلال بهذا الحديث: أن
النبي صلى الله عليه وسلم لم يذكر أن عليهما الكفارة عندما أخبر أن الله وضع عنهما
الصوم.
الثالث :
أنهما تفطران وتقضيان وتفديان
وهو قول الشافعي وأحمد ومجاهد ورواية عن ابن عمر رضي الله عنهما. ويستدلون بقول
الله تعالى: (وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين) الآية (البقره:184) ووجه
الاستدلال أن الحامل والمرضع يطيقان الصيام فدخلتا تحت الآية فتجب عليهما الفدية في هذه الحالة.
الرابع:
أن الحامل تقضي ولا تُطعم
والمرضع تقضي وتطعم وهو مذهب مالك وبه قال الليث بن سعد. ووجهة مالك في هذا
التفريق: أن الحامل كالمريض فإذا خافت على ولدها فهي مريضة فتدخل في عموم الآية،
ولأن الحمل متصل بالحامل فالخوف عليه كالخوف على بعض أعضائها بخلاف المرضع في ذلك
وأيضا المرضع يمكنها أن تسترضع لولدها فلذلك أوجب مالك عليها الفدية دون الحامل.
الترجيح :ـ
الذي نختاره من هذه الأقوال
ونميل إليه هو القول بأنه ليس على الحامل والمرضع إذا أفطرتا خوفا على ولديهما فقط
إلا القضاء ولا فدية عليهما.
واخترنا هذا القول لسببين:
الأول:
أن الله سبحانه وتعالى يقول: (فمن
كان منكم مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر). (البقره:184)
فالآية الكريمة أوجبت على
المريض القضاء فقط وقد وجد معنى المرض في الحامل والمرضع فتدخلان في عموم الآية
إذا خافتا على ولديهما لأن معنى الآية فمن كان منكم به ما يضره الصوم أو على سفر فعليه عدة من أيام أُخر.
الثاني:
أنه جاء في حديث أنس الذي تقدم
"أن الله وضع عن الحامل والمرضع الصوم" ولم يذكر بأن عليهما كفارة ولو
كانت تجب عليهما الكفارة لأخبر بها النبي صلى الله عليه وسلم فلما لم يخبر بذلك
عرفنا أن حكمهما حكم المريض والمسافر المذكور معهما في الحديث في أن عليهما القضاء
فقط. وأيضا الحامل والمرضع يرجى لهما
القضاء فأشبها المسافر. وإذا أوجبنا عليها الفدية لم يجب القضاء عليهما لأن الفدية
هي ما يقوم مقام الشيء كقوله تعالى (ففدية من صيام) (البقره:196) وهذا القول أحسن
الأقوال وهو الذي يتفق مع يسر الدين ورفعه الحرج عن المريض والله أعلم.
صيام المغمى عليه
والمجنون
والصحيح الذي نراه أن المجنون لا قضاء عليه بل عليه قضاء الأيام التي أفاق
فيها إن لم يكن قد صامها في وقتها وذلك لأن الجنون معنى يزيل التكليف فلم يجب
القضاء في زمانه كما لا يجب القضاء على الصغير والكافر في زمان الصغر والكفر. ولأن
النبي صلى الله عليه وسلم قال : رُفِع القلم عن ثلاثة ومنهم المجنون حتى يفيق:
" رُفِع القلم عن ثلاثة: عن المجنون المغلوب على عقله حتى يبرأ وعن النائم
حتى يستيقظ والصبي حتى يحتلم"
ويجاب عن قول الحنفية بأنه لو جن جنونا مطبقا في جميع الشهر أسقط عنه
القضاء باتفاق عندهم، وأقول لم لا يكون الأمر كذلك إذا وُجد في بعض الشهر لعدم
وجود الفارق والحاصل أن الدليل هنا من قول المالكية والأحناف في إيجاب القضاء على
المجنون وهو نص في رفع التكليف عنه.
وأما المغمى عليه فنرى أنه يجب
عليه القضاء لأن زمن الإغماء لا يطول غالبا ويؤيد هذا ما رواه البيهقي عن نافع
قال: "كان ابن عمر يصوم تطوعا فيغمى عليه فلا يفطر" قال البيهقي: وهذا
يدل على أن الإغماء خلال الصوم تطوعا لا يفسده، قلت: وإذا كان الإغماء لا يفسد
الصوم فمن باب الأولى أن يكون القضاء واجبا على المغمى عليه. إذا فاته شيء من
الشهر.
-
قرار مجلس مجمع الفقه الإسلامي بشأن
المفطرات في مجال التداوي
إن
مجلس مجمع الفقه الإسلامي المنعقد في دورة مؤتمره العاشر بجدة بالمملكة العربية
السعودية، خلال الفترة من 23 إلى 28 صفر 1418هـ (الموافق 28 يونيو – 3 يوليو
1997م)؛
بعد إطلاعه
على البحوث المقدمة في موضوع المفطرات في مجال التداوي، والدراسات والبحوث
والتوصيات الصادرة عن الندوة الفقهية الطبية التاسعة التي عقدتها المنظمة
الإسلامية للعلوم الطبية، بالتعاون مع المجمع وجهات أخرى، في الدار البيضاء
بالمملكة المغربية، في الفترة من 9 إلى 12 صفر 1418هـ ( الموافق 14-17 يونيو
1997م)، واستماعه للمناقشات التي دارت حول الموضوع بمشاركة الفقهاء والأطباء،
والنظر في الأدلة من الكتاب والسنة، وفي كلام الفقهاء؛
قرر
ما يلي:
أولاً:
الأمور الآتية لا تعتبر من المفطرات:
1.
قطرة العين ، أو قطرة الأذن، أو غسول الأذن، أو قطرة
الأنف، أو بخاخ الأنف، إذا اجتنب ابتلاع ما نفذ إلى الحلق.
2.
الأقراص العلاجية التي توضع تحت اللسان لعلاج الذبحة
الصدرية وغيرها، إذا اجتنب ابتلاع ما نفذ إلى الحلق.
3.
ما يدخل المهبل من تحاميل (لبوس)، أو غسول، أو منظار
مهبلي، أو إصبع للفحص الطبي.
4.
إدخال المنظار أو اللولب ونحوهما إلى الرحم.
5.
ما يدخل الإحليل، أي مجرى البول الظاهر للذكر والأنثى، من
قثطرة (أنبوب دقيق)، أو منظار، أو مادة ظليلة على الأشعة، أو دواء، أو محلول لغسل
المثانة.
6.
حفر السن، أو قلع الضرس، أو تنظيف الأسنان، أو السواك
وفرشاة الأسنان، إذا اجتنب ابتلاع ما نفذ إلى الحلق.
7.
المضمضة، والغرغرة، وبخاخ العلاج الموضعي للفم، إذا اجتنب
ابتلاع ما نفذ إلى الحلق.
8.
الحقن العلاجية الجلدية أو العضلية أو الوريدية، باستثناء
السوائل والحقن المغذية.
9.
غاز الأوكسجين.
10. غازات
التخدير (البنج) ما لم يعط المريض سوائل (محاليل) مغذية.
11.
ما يدخل الجسم امتصاصاً من الجلد؛ كالدهونات والمراهم واللصقات
العلاجية الجلدية المحملة بالمواد الدوائية أو الكيميائية.
12.
إدخال قثطرة (أنبوب دقيق) في الشرايين لتصوير أو علاج
أوعية القلب أو غيره من الأعضاء.
13.
إدخال منظار من خلال جدار البطن لفحص الأحشاء أو إجراء
عملية جراحية عليها.
14.
أخذ عينات (خزعات) من الكبد أو غيره من الأعضاء، ما لم
تكن مصحوبة بإعطاء محاليل.
15.
منظار المعدة إذا لم يصاحبه إدخال سوائل (محاليل) أو مواد
أخرى.
16.
دخول أي أداة أو مواد علاجية إلى الدماغ أو النخاع
الشوكي.
17.
القيء غير المتعمد، بخلاف المتعمد (الإستقاءة).
ثانياً: ينبغي على الطبيب المسلم نصح المريض
بتأجيل ما لا يضر تأجيله إلى ما بعد الإفطار من صور المعالجات المذكورة فيما
سبق.
ثالثاً: تأجيل إصدار قرار في الصور
التالية، للحاجة إلى مزيد من البحث والدراسة في أثرها على الصوم، مع التركيز على
ما ورد في حكمها من أحاديث نبوية وآثار عن الصحابة:
أ- الفصد والحجامة.
ب- أخذ عينة من الدم المخبري للفحص، أو نقل دم من
المتبرع به، أو تلقي الدم المنقول.
ج- الحقن المستعملة في علاج الفشل الكلوي
حقناً في الصفاق (البريتون) أو في الكلية
الاصطناعية.
د- ما يدخل الشرج من حقن شرجية، أو تحاميل (لبوس)
أو منظار أو إصبع للفحص الطبي.
ه- العمليات الجراحية بالتخدير العام إذا
كان المريض قد بيّت الصيام من الليل، ولم يعطَ شيئاً من السوائل (المحاليل)
المغذية.
والله أعلم
المراجع:
-
ميقا، أبو بكر إسماعيل: أحكام المريض في الفقه الإسلامي،
1404هـ
-
إدريس، عبد الفتاح محمود : الرخص المتعلقة بالمرض في الفقه الإسلامي.الطبعة
الثانية، النسر الذهبي للطباعة 1415هـ. وكتب أصل هذا الموضوع الدكتور محمد رواس
قلعه جحا ، استاذ الدراسات الاسلاميه
بجامعة الملك سعود.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق